سيد قطب

3442

في ظلال القرآن

واحدة لا تحتاج إلى جهد ، ولا تحتاج إلى زمن . واحدة فيها القدرة ومعها التقدير . وكل أمر معها مقدر ميسور . وبواحدة كان هلاك المكذبين على مدار القرون . وفي هذه يذكرهم بمصير أمثالهم من المكذبين : « وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ » . فهذه مصارع المكذبين ، معروضة في الحلقات التي تضمنتها السورة من قبل . . « فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ » . . يتذكر ويعتبر ؟ ولم ينته حسابهم بمصارعهم الأليمة ، فوراءهم حساب لا يفلت منه شيء : « وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ » . . مسطر في الصحائف ليوم الحساب : « وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ » . . لا ينسى منه شيء وهو مسطور في كتاب ! وعند هذا الحد من العرض والتعقيب ، يلتفت السياق إلى صفحة أخرى غير صفحة المكذبين . ويعرض صورة أخرى في ظل وادع أمين . صورة المتقين : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » . . ذلك بينما المجرمون في ضلال وسعر . يسحبون في النار على وجوههم في مهانة . ويلذعون بالتأنيب كما يلذعون بالسعير : « ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ » . . وهي صورة للنعيم بطرفيه : « فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ » . « فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » . نعيم الحس والجوارح في تعبير جامع شامل : « فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ » يلقي ظلال النعماء واليسر حتى في لفظه الناعم المنساب . . وليس لمجرد إيقاع القافية تجيء كلمة « نَهَرٍ » بفتح الهاء . بل كذلك لإلقاء ظل اليسر والنعومة في جرس اللفظ وإيقاع التعبير ! ونعيم القلب والروح . نعيم القرب والتكريم : « فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » . . فهو مقعد ثابت مطمئن ، قريب كريم ، مأنوس بالقرب ، مطمئن بالتمكين . ذلك أنهم المتقون . الخائفون . المترقبون . واللّه لا يجمع على نفس خوفين : خوفها منه في الدنيا ، وخوفها يوم القيامة . فمن اتقاه في العاجلة أمنه في الآجلة . ومع الأمان في أفزع موطن ، يغمره بالأنس والتكريم . وعند هذا الإيقاع الهادئ ، في هذا الظل الآمن ، تنتهي السورة التي حفلت حلقاتها بالفزع والكرب والأخذ والتدمير . فإذا للظل الآمن والإيقاع الهادئ طعم وروح أعمق وأروح . . وهذه هي التربية الكاملة . تربية العليم الحكيم بمسارب النفوس ومداخل القلوب . وهذا هو التقدير الدقيق لخالق كل شيء بقدر ، وهو اللطيف الخبير . .